اخباري ثقافي سياسي اقتصادي
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالتسجيلدخول


شاطر | 
 

 الأبعاد النفسية والجمالية والاجتماعية والاقتصادية للثوب الفلسطيني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
nwatan
محرر
avatar

عدد الرسائل : 1909
السٌّمعَة : 14
تاريخ التسجيل : 22/11/2008

مُساهمةموضوع: الأبعاد النفسية والجمالية والاجتماعية والاقتصادية للثوب الفلسطيني   الأحد أبريل 07, 2013 4:44 am

الأبعاد النفسية والجمالية والاجتماعية والاقتصادية للثوب الفلسطيني


إن وظائف الملابس الشعبية الفلسطينية وصفاتها جاءت منسجمة مع عوامل عدة كالعامل التاريخي والثقافي والفكري والعامل الاجتماعي والأخلاقي المرتبط بالديانات السماوية وكذلك العامل البيئي ونظام الحياة ونمط المعيشة ولا شك أننا نلمس أثر قيم المجتمع الفنية والجمالية والعاطفية إلى جانب الحاجات المادية التي تسدها الملابس بشكل عام.

وحديثي في هذا المقال سيكون ملاحظات حول ما أسقط من أمور وممارسات في ارتداء الزي الشعبي النسوي على وجه التحديد( الثوب الفلاحي) وهذه الممارسات هي من صلب العادات وتنقص من أصول ارتدائه وليس لها علاقة بتطويره وتحديثه.

وللأسف الشديد أن دعاة التحديث والتطوير للملابس الشعبية اليوم هم أنفسهم أصحاب التقزز والتقرف من كل ما هو شعبي وبلدي وأول المتخلين عن ثقافتهم وحضارتهم التاريخية الأصلية كما أن عدد كبيرا من سيدات المجتمع الراغبات في فتح مجالات للتجارة والتسويق أخذن على عاتقهن مهمة إخراج أشكال من الملابس الأوروبية القصات بزخرفة تقليدية وشعبية توزع على جسم الثوب لتعطيه طابعا معينا دون رهبة أو حذر من كسر العرف والعادة في هذا الموروث العريق.

إن الملابس الشعبية في حدود معرفتي وخاصة الشرقية منها متشابهة إلى حد كبير في الأمور العامة كالمواد الخام مثلا ومواد التزيين والزخرفة كخيوط القطن وخيوط مقصبة بألوان ذهبية وفضية وملونة وكذلك استعمال الخرز الملون وما إلى ذلك.

إلا أن الثقافة الشعبية المتوارثة تتأثر بحضارات الشعوب المجاورة والحاكمة والمستعمرة وهي تحافظ على أصول ثابتة لا تقبل التغيير فبلادنا موطن ديانات سماوية حرصت على الأخلاق فكانت الحشمة والوقار في ملابس المرأة انعكاسا أصيلا على الثوب الفلاحي الذي ارتدته الفلسطينية على مر العصور وحرصت الفلسطينية المسيحية على شروط وأصول ارتداء الثوب تماما مثلما حرصت عليه الفلسطينية المسلمة.

فغطاء الرأس وستر الجسم كاملا على سبيل المثال أمر ضروري لم تتخل عنه الفلسطينية مهما كانت دياناتها.

كما أن الحكم العثماني التركي كان له تأثير على نساء المدن في ارتداء ملابس الفساتين الطويلة والكاب واستعمال حجاب وغطاء الرأس والوجه (البرنس والبرقع).

وقد تعددت الأشكال والأسماء حسب المدن وأماكن الانتشار ومع بداية هذا القرن وعندما انتقل شعبنا من الحكم العثماني إلى الحكم البريطاني حدث اختلاف في التوازن الثقافي وأصبح الغزو الثقافي الأجنبي موجها لتغيير المفاهيم الحضارية حيث غير المستعمر النظم التعليمية والإدارية والقوانين وبطبيعة الحال كانت الملابس الشعبية من الأشياء الموروثة الكثيرة التي نالها هذا الغزو بتأثيراته فعبرت الملابس الأوروبية إلى المدن وأظهرت تفاوتا ماديا بين الناس حيث نفخت جيوب وتقلصت أخرى وتلاشت وكان الريف الفلسطيني وهو يشكل القطاع الأوسع والأكبر من البلاد كالفلاح الفلسطيني يعطي ولا يأخذ فكانت حياة الشقاء من أجل لقمة العيش واستمرارية الحياة وأصبح هناك مفارقات كبيرة في الخدمات المعيشية وأسلوبها بين الريف والمدينة ولم تتح للريف فرصة للنمو والتطوير أو كسر الجمود والتخلف وانعكس هذا الوضع بالتالي على نظرة المجتمع إلى الفلاح وسببت في أذهان المجتمع المدني المنبهر بالغزو الحضاري وأصبح الفلاح مثالا للتخلف وقد شجع المستعمر هذه الأفكار وأنشأ صراع (فلاح ومدني) مما حمل عددا كبيرا من عائلات الريف الكبيرة بتبني أوجه الحياة الغريبة ومظاهرها والتخلص من مظاهر حياة الريف والبادية ولا نزال حتى يومنا هذا نرى سباق القرويات والبدويات على التخلص من الملابس الشعبية واللحاق بركب المدنية المظهرية بارتداء الفستان وما يتبعه من رتوش الزينة.

وقد نجح المستعمر البريطاني في تمليك اليهود الصهاينة أرض فلسطين وتهجير شعب من جذوره وتشريده حيث تكون مجتمع لاجئ جديد في بيئة المخيم الغربية واختلط الناس وتعددت الأنماط والأشكال أثناء صراع البقاء الرهيب فنشأت أفكار وعادات وأنساب وصلات وتكيفات وأعمال وتغيرت قيم وموازين وأصبح هم الفرد حماية نفسه وعياله من قسوة هذه النكبة العامة المدمرة وفقد الشعب ثقته في ذاته ولم يسمح ألم الهجرة بالالتفاف إلى الذات والسير نحو تحقيقها بل كان الهم الأكبر توفير لقمة العيش والهروب من الموت والمرض والبرد والشعور بالخزي والعار من اللجوء والمخيم.

وعلى رأي المثل <<ويل الشجي من الخلي>>, ظهر عدد من التجارب يجويون شوارع المخيمات والقرى والبوادي يجمعون الأثواب العزيزة الغالية والحلي الموروثة وكل ما استطاع الشعب الضائع أن يحمله مما خف حمله وثقل وغلا ثمنه ولم يكن التفريط بها إلا من أجل علاج طفل أو تعليم شاب أو حل أزمة لا يعمل بها إلا الله.

وقد شاءت الأقدار أن أكون ابنه المرحوم حسن مصطفى وهو رائد في مجال تنمية المجتمع والنهوض بالمجتمع المحلي وكان من الرواد الفلسطينيين في رعاية الموروثات وحماية وممارسة الحياة الشعبية وصيانة الثقافة المحلية مثلما كان شديد الاعتزاز بالثوب القروي وجعله الثوب الرسمي والقومي في مدرسة الإناث التي أسسها في قريته بتير فارتدته المعلمة والطالبة وفي إحدى الكلمات الموجهة في نشرة مدرسية مطبوعة في الخمسينات كانت تصدر في المدرسة تحمل اسم الخطوة <<اخترت هذه السطور: ـ >> ...... وقد كانت المسؤولة عن الصحة المدرسية في الأعوام السابقة طبيبة هندية, تزور معهدنا بزيها القومي تجر ثوبها (هونا على هون) بكبرياء واعتزاز بأنه اللباس القويم الصالح وطبيعي أن هذه الطبيبة قد اجتازت الجامعة في أوروبا وهي بزيها الهندي القومي.

إننا نكبر في أمثال هؤلاء النسوة وفي أنفسنا هذه الثقة بالنفس والاعتزاز القومي الذي صمد أمام الموضات وجنون الأزياء, أنها النفس الأصلية التي ترى الحضارة والسعادة في الرقي الحقيقي مع الارتباط والاعتزاز بالطابع الإقليمي.

فلندعم اعتزازنا باللباس القومي بروح التقدم الحقيقي.

وقد حرص المرحوم حسن مصطفى على تنقية جو التراث واللباس الشعبي من أن تتغير أصالته وطابعه وملامحه الخاصة وكان هناك توجيه مباشر ودائم للممارسات الخاطئة أثناء ارتداء الثوب وهي أصول يجب أن لا نغفلها نحن اليوم إذا ما أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا حريصين على تكامل وانسجام الموقف الحضاري الذي نمارسه وقد كانت أم مازن زوجته مثلا أعلى في تجسيد هذا السلوك وعندما قامت الثورة الفلسطينية عززت فكرة تأكيد الذات واستعدت لمواجهة سرقات الصهاينة للتراث الفلسطيني فأحيت بذلك إمكانية العودة إلى الملابس كرموز قومية ووطنية ولكن للأسف الشديد بدأت نساء المدن بارتدائه في المناسبات الوطنية والاحتفالات بروح أو نظرة ليست على قدر المكانة وبالمستوى اللائق والشكل الصحيح.

وإذا سمحت لي سيدات مجتمعنا أن أفصح عن حقيقة التعامل مع هذا الزي القومي في تلك الفترة سواء المدينة المنشأ أو الريفية أو البدوية وتلك المجموعة هي نخبة سيدات المجتمع العاملات في المؤسسات الوطنية والجمعيات الخيرية أو المغتربات في أمريكا وأوروبا. لقد كانت الواحدة منهم إرضاء للموجة الوطنية العارمة واستجابة للصحوة الحضارية التي من أصول أدائها ارتداء هذا الرمز ولا مانع أن يكون لبسه بكثير من التناقض والنقص وكأنها تتكارم على هذا الزي وتتنازل من علياء وعظمة مكانتها العلمية والوظيفة والاجتماعية وتضع هذه الشارة أو العلامة والرمز (أي الثوب) فهي تحرص كل الحرص أن ترتديه وتحافظ على مظهرها الأوروبي وزينتها الإفرنجية وقد كانت هذه الخطوة بكل نواقصها أفضل من المواقف السابقة لها من التخلي نهائيا عن كل ما هو محلي وبلدي وشعبي.

ولي على ما جرى في هذا المجال بعض الملاحظات:
1.عدم المحافظة على الخطوط الأساسية (القصات) الخاصة والتقليدية في تفصيل الثوب كشكل الكم ومكونات جسم الثوب من بنايق وأبدان وقبة وهذا الشكل العام للثوب الفلسطيني كل لا ينجزأ ولا يمكن استعمال جزء من التراث وإهمال آخر أو المتاجرة بالتراث وطرحه في الأسواق على غير طبيعته من أجل الربح أو تحت عنوان التحديث وإني أرى أن الفنانة الشعبية تعي أمورا فنية لا يمكن أن تعيها أية مهتمة في ارتداء الثوب في مناسبة ما وأن الفنانة الشعبية عندما تستعيض أو تطور أو تحدث تغييرا يكون دقيقا وتدريجيا ولسد حاجة ولا يمكن أن يكون هناك نقلة نوعية وكيفية كلية لمجرد التغيير أو خلق موضة فلا وجود لصرعات الموضة في أي مكان في الموضة الشعبية الثابتة البطيئة المسار فهي تقليدية.
2.أن توزيع التطريز على أجزاء الثوب المعروفة هي خاصة وميزة تعطيه الجنسية الفلسطينية بشكل عام الملامح لكل منطقة أو بلدة في الوطن وهذا ينطبق أيضا على الألوان وأشكال الزخارف إذن التغيير في القصات وتوزيع التطريز يفقد الثوب الوظيفة التي يؤديها فتحوله إلى فستان مطرز تجعله غير صالح كلباس شرعي للمرأة المسلمة التي يجب أن يكون لباسها فضفاضا واسعا غير مفصل لأعضاء الجسم.
ومن ناحية أخرى فهناك تقليد متعارف عليه وهو أن الفلاحة تحافظ على جدية موقفها أمام الناس فلا يجوز إلا أن تضع الحزام على وسطها ولا يليق بها (الرفتلة) لأن ذلك يوحي أنها في حالة استرخاء ولا تحل الحزام إلا ساعة النوم والراحة.

1.ومن العادات المصاحبة لارتداء الثوب أنه لا يجوز أن يكون الثوب طويلا إلى حد أن يعيق الحركة وأن لا يكون قصيرا فوق رمانة الرجل ولا يليق بالمرأة أن ترفع ثوبها وتشبكه بالحزام إلا في أثناء العمل الزراعي مع الأهل والأقارب أو في البيت وأما في الأوقات الأخرى فيجب أن يترك على سجيته والثوب (الهادل) مميز وجيد.
2.ومن المحظور أيضا وضع غطاء الرأس جانبا ونكش الشعر فمن المتبع والأصول أن تمشط المرأة شعرها بعد أن ترفقه وتجدله وتقوم بلف الجدايل في مؤخرة الرأس وتلبس أشكالا من الطواقي لتحافظ على أن يبقى الشعر منسدلا وعدم انتفاخه تحت الخرقة أو الغطاء وتساهم الوقاة ـ الشطوة ـ العراقية ـ الطاقية التي توضع تحت الخرقة في تثبيتها على الرأس ويشيع اليوم استعمال الشبكة التي تنسجها المرأة بيدها وتجمع فيها الشعر كما أنها تساعد على تثبيت الخرقة على الرأس أيضا.
وقد حرصت الفلسطينية المسلمة والمسيحية على هذا التقليد ولا ترفع المرأة خرقتها عن رأسها إلا في حالات الحزن الشديد وفي حلقات اللطم حيث يعتبر الإنسان فيها خارجا عن كل ما هو عقلاني ومألوف.

1.الأكمام بأنواعها اتصفت بأنها فضفاضة واسعة وساترة وفي الأثواب العملية التي ترتديها المرأة في البيت أو الخلاء كانت ترفع الردن بربط أطرافه إلى خلف الرأس ومن العادة أن يبقى الكم (سايلا) في غير أوقات العمل وفي وضعه الطبيعي. وبعد نكبة 1948 حاولت الفلسطينيات التقليل من كمية التطريز على الثوب بسبب الشعور بالأسى والكآبة على فقدان الوطن وانتشر استعمال الأقمشة الأوروبية المزركشة والمطبوعة والصناعية فاجتذبت هذه الأقمشة بنسيجها وألوانها النساء وأخذن يلبس تحت الثوب ما يسمى (بالقيمص) وهو كالفستان الأوروبي تماما ثم ترفع أردان الكم الخالي من التطريز إلى أعلى. وقد شاهدت في قرى الخليل أن هناك تقصيرا للكم حتى أصبح موديل نصف كم مطرز بحجة أن (الغدقة أو الخرقة) تلف الأيدي والأكتاف وتسترها.
وسواء قصر الكم أو قلب الردن إلى أعلى فقد كانت قصة الكم الأصلية وإرخاؤه على الذراع وتزينيه بالتطريز والترقيع بالأقمشة الملونة على (السواعد) أجمل وأكثر هيبة ووقارا وتناسبا مع شكل الثوب العام ونلاحظ اليوم أن العودة إلى ترك الكم في وضعه الطبيعي قد عادت وهذا ما يجب أن نعززه ونصر عليه.

وقد ذكر الردن كثيرا في الأغاني الشعبية كأغنية لأبو ردني كما تغني الفلاحة:

كما تغني الفلاحة:

يا شوفتي شفتها بتقش وبتلم

بيضا غريرة ياخوية ومطرزة الكم.

وتغني أيضا:

أنا بارقص بارادني يا حلالي وأبو فلان يا خالي والعز يدوم.

فالردان الطويل الواسع مظهر عز وترف في المفهوم الشعبي.

تخلي المرأة عن الملابس الشعبية:

إن المرأة الشرقية التي سارعت إلى التخلي عن تراثها وملابسها الشعبية لم تترو أبدا لكي تفي حاجتها الشديدة لانسجام ثوبها مع عاداتنا وتقاليدنا والأعمال التي تقوم بها ونمط الحياة الذي نعيشه مثلما يتناسب اللباس الأوروبي مع عاداتهم وتقاليدهم.

فالأوروبية التي قلدت في زيها غيرت من شكل الفستان وارتدت ملابس هي طورتها وفقا لما طرأ من تغيير في أعمالها ودورها في الحياة فالثورة الصناعية جعلتها ترتدي البنطلون أو الفستان القصير كما أن مظاهر الترف والحياة الحافلة بأشكال اللهو والعبث وما صاحبها من ثروات وأموال فتحت أبواب معيشية في ميادين استهلاكية منوعة نحن في غنى عنها, فظهر مصممو الأزياء ودور عرض الأزياء وصالونات التجميل ومصانع الأدوات ومواد التجميل وشركات تسويق وترويج هذه البضائع ولا ضير على الأوروبية إذا ما خرجت عارية أو شبه عارية أو لبست المايوه أو الضيق أو الشفاف في حين تعتبر هذه الملبوسات في حكم مجتمعنا خطأ فادحا وذنبا عظيما فموازين العين والحرام والعرف والعادة مختلفة تماما.

أما بالنسبة للبيئة المحافظة في المدينة فقد كانت الفتاة في المدينة تقع في صراع بين اللحاق بركب المدينة والحضارة الجديدة وبين ما هو متعارف عليه فنجدها مضطرة عند الجلوس أن تغطي أرجلها بفوطة أو ترفع غطاء رأسها وتضعه على ركبها وكأنها توازن بين أيهما أقل عيبا أن تكتشف رأسها أو تكشف رجليها وكلها سلوكيات مربكة ومتكلفة وبعيدة عن السجية والطبع السليم.

أما الفلاحة والبدوية فأي عمل زراعي أو فلاحي أو بدوي سيتناسب مع الزي الأوروبي كيف تحمل على رأسها بلا طاقية أو غطاء كيف سترفع يديها أو تنحني أو تصعد السلالم أو تتربع على الأرض أو تنهض عنها أو تقرفص ببساطة وكالعادة.

إن لارتداء الملابس الأوروبية أصولا وقوانين وأنظمة تعتبر متعبة ومكلفة وبعد أن كانت الفلاحة تضع ذوقها وفنها وبراعتها في إبداع ملابسها وتوفر أجور الخياطة أصبحت تؤجرها تصرف وقتها في متابعة الموضة وما يجد على الساحة بلا توقف كما أنها لا يمكن أن تصل إلى حد الإتقان في ارتدائه ولا تسمح الإمكانيات المادية لنساء بلادنا في الإنفاق عل الزي واللباس فتخصص الملابس للسهرات والحفلات تباعا وعلى مر الزمن وأخرى للعمل وثالثة للبيت واليوميات وهكذا فالجميع يعرف أن العروس الفلسطينية تعد جهازها بيدها وتبدأ في جمع الأثواب وتطريزها طوال فترة ما قبل زواجها وكان ثوب الملك أو ثوب أو قطبة (القباني) مثلا أو أي ثوب آخر في منطقة أخرى هو ثوب المناسبة الأولى وهي الزفاف وكل مناسبة بعدها وهو ثوب المناسبة الأخيرة عند المسيحيات حيث كانت توصي أن تدفن في ثوب العز والفرح الذي احتفظت فيه طوال حياتها.

ولا نزال نشاهد اليوم في قرى منطقة القدس ثوب الحرير الأسود (الملس) المطرز بالأحمر الفاقع والمنقوش بألوان عدة أو بدون نقوش قد احتل مكان ثوب الملك وأصبحت كل عروس وصبية تحرص على امتلاكه وتستعمله في المناسبات وكان ثوب العروس منذ الثلاثينات حتى الآن.

ولما كانت طبيعة الملابس الشعبية لا تحتمل التغيير السريع في الشكل والتكوين والطابع المميز فيمكن الاستفادة من أشكال التغيير والتنويع الواردة في الملابس القديمة ويجوز لنا أن نحيي عملية الترقيع واستعمال الأقمشة الملونة في الثوب الواحد وأشكال التطريز المختلفة التي كانت مستعملة بأساليب جديدة لا تنفي الأصل ولا تناقضه أو تمحو هويته فيمكن إعداد ثوب (جنة ونار) بألوان أقمشة متناسقة وجذابة ويمكن إعداد أثواب الملك للمناسبات وكذلك إدخال شرائط الأقمشة على الجوانب إلى جانب التطريز أو استعمال الألوان والأقمشة المقلمة في الأكمام وما إلى ذلك حسب ما استعملتها الجدات ويمكن إحياء العباءة النسوية القديمة والتقصيرة والجبة والأقمشة القديمة الشامية متوفرة في عمان اليوم.

إن تبني الطبقات الغنية لموضوع الأزياء رفع مستوى التعامل المادي مع الزي الشعب إلى المستوى الذي لم يتمكن منه الشعب, وأصبح لمصممي الأزياء وصاحبات الأعمال محلات تجارية تعد وتسوق الثوب الشعبي للراغبات في الانتماء إلى الوطن والشعب والتراث في أمسية أو سهرة تراثية أو وطنية وحسب وهذا لا يكفي وليس هو التعامل السليم مع الموروثات.

الثوب الفلاحي يخفي الفوارق الجسمية ويبرز المحاسن:

مهما لغت الفتاة من جمال التكوين و الخلقة فقد يكون في جسمها بعض الفوارق لقصر العنق أو نحافته, أو ضيق الصدر والأكتاف, أو طول الساقين ونحافتهما وأحيانا تشويهات خلقية أو مرضية كعروق الوالي الزرقاء في الأرجل أو حروق وجروح آثار بشعة على الجلد.

كما أن حالات السمنة الزائدة أو النحافة الزائدة والقصيرة البدينة والقصر الشديد كل هذه الفوارق يخفيها الثوب وهو مناسب لجميع القامات كالقصيرة البدينة والقصيرة النحيفة والطويلة النحيفة والطويلة البدينة ومعتدلة القامة.

كما أن ميزة أخرى لصبايا هذا الزمن هي وفرة أشكال وأصناف وألوان من الأقمشة السادة لم تتوفر لجداتنا كما أن ألوان الخيوط وسهولة الحصول على أنواع جيدة منها وفقا للذوق متوفرة بشكل أوسع وأفضل فقد كانت الخامات محدودة وطبيعية الإقبال عليها شديدة إذ لا بديل للملابس الشعبية أما اليوم فالحال معكوس وأصبح عدد الملابس الشعبية خاصا ومحدودا بدل أن, يكون عاما ومنتشرا والمعروض في الأسواق هو الملابس الأوروبية. الثوب الفلاحي يكسب لابسته مظهرا جذابا وشكلا جميلا وهي تشبه <<براية الفرح>>.

إن استعمال الأقمشة السادة الحديثة وألوان الخيوط تتطور وتتنوع وفقا لتغيير الأذواق المرتبطة بالبيئة والثقافة والمعرفة وأصبحت إمكانية توافق الألوان وانسجامها دليلا على هذا التغيير الإيجابي.

إن تزيين الثوب بالتطريز يقلل من الحاجة إلى الكماليات وكذلك الملابس المكملة الأخرى محدودة الأشكال وقليلة التغيير كالأحذية والحقائب وكذلك الحلي (والإكسسوار) علاوة على طبيعة الحياة القاسية المؤلمة في بلادنا لا تتيح الفرصة أمام المهتمات من ارتداء مكملات الزينة من الذهب والفضة والخرز الملون.

ومن مميزات الثوب أنه يستر الجلد من تأثير حرارة الشمس والرياح الشرقية وتقلبات الطقس ويمتاز بدن الفلاحة بنقاء الجلد ونعومته لأنه مغطى. ومقارنة بسيطة بين السيدات الفلاحات العاملات مدى الحياة في الحقل والبيت والأسواق وبين السيدات المصطفات على شواطئ البحار والمتعرضات للشمس وتقلبات الطقس تظهر الفرق كما أن الله منح الصحة والحيوية والسلامة للفلاحات اللواتي يتعاملن مع الطبيعة ونواتجها ولا يعرف الكيماويات والأصباغ والمعاجين, والعمل الزراعي والمنزلي بكسبها للياقة البدنية.

أما ما يتعلق بأمر العناية بالشعر فإن الثوب الفلاحي الذي يشترط سحب الشعر إلى الخلف وشده وترتيبه على شكل ضفائر يحول دون التهافت على صالونات التجميل واستهلاك الأموال فيها فإن غطاء الرأس يعطي فرصا لتقبل الذات. وتوحيد التسريحة لا يخلق تنافسا أو تعددا في الموضة علاوة على الغطاء أو الخرقة التي تحمي قدر الإمكان دون الحاجة إلى إخضاعه إلى عمليات تغير من طبيعته.

إن آثار استعمال الصبغات وأدوية التمليس أو التجعيد لها آثار سيئة على الشعر وجلدة الرأس ولها نتائج وخيمة من أمراض الحساسية والسرطانات وغيرها.

كانت المرأة في بلادنا تستعمل المواد الطبيعية للمحافظة على البشرة والشعر كالحناء وزيت الخروع وزيت الزيتون والليمون الحامض الذي يطري ويغذي ويزيل القشرة أو يزيل الزيوت كالليمون الحامض وللبشرة استعملت قناع بياض البيض المخفوق بالسكر الفضي إلى جانب العسل واللبنة والزبدة وزيت الزيتون.

وتتباهى الفلاحة والبدوية وكذلك المدنية سابقا بالشعر الطويل فهو <<تاج الرأس>> ولا تقص الجدايل والضفائر إلا عند الشعور بالحزن والألم الشديد واليأس من الحياة أو الوقوع بمصيبة أو كارثة عامة أو خاصة فتقول البكائية:

قصين الشعر يا صايناته ليش قميص الشعر ع طعامين العيش

قصين الشعر يا صايناته عاد قصين الشعر ع طعامين الزاد

وهناك أغنية رجالية تقول:

يللي مشطت يللي جدلت ظليت عالعهد ولا بطلت

ياللي فرقت الشعر من نصه إن حكيت مع غيري لسانك لقصه

ياللي مشطت بسن العربيد لو إنك في السما لطولك بيدي

ياللي مشطت بسنان الحية لو إنك في السما مرجوعك لي

وهذه ترويدة قديمة تعنيها النساء العروس:

شعرك سابيلا واحب النوم في ظله لروح عاباشة استنبول وأقول له

فلانة مليحة وتسوي عسكرك كله

شعرك سابيلا واحب النوم في خابه لروح عاباشة استنبول عادراه

فلانة مليحة بتسوي عسكره وماله

وتغني النساء للراقصات في سهرات الأفراح:

ميلي تميلي يا أم الجديلة أخوك يا فلانة يسوي قبيلة

ميلي تمايل يا أم الجدايل أخوك يا فلانة يسوي قبائل

أما في أغاني (الدحرجة) وهي رقصة جماعية مع الغناء تمشي فيه النساء خطوتين إلى الأمام وترجع خطوة إلى الخلف بشكل دائري وتحرك الأيدي المتشابكة إلى أعلى وإلى أسفل في نوع من الدبكة نسائية:

لتشوف شعري سايل ع ظهري

لتعد مهري بعد العشية

لتشوف المفرق عالثوب الأزرق

لدور تترزق بعد العشية


موقف الرجل من الملابس الشعبية:
والرجل الفلسطيني تعرض في وقت مبكر تأثير الحضارة الغربية عليه وتخلي عن ملابسه الشعبية واستبدلها بالأوروبية لأنه دخل ميادين العلم والعمل والهجرة والاغتراب قبل المرأة وبشكل أوسع وأعم إذ تم التغيير على نطاق مصر وبلاد الشام.

كما أن المواصفات التي وضعها الدين الإسلامي لملابس الرجل لم تتعارض مع الملابس الأوروبية الحديثة فبلسها الرجل بلا تردد ولم يكن أهلا في ذلك الوقت للتحدي والمواجهة فتقبل التغيير دون تفكير.

أما الموصفات الإسلامية للباس المرأة فقد شكلت حاجزا أمام الاندفاع السريع نحو الانتقال إلى الملابس الأوروبية بنفس السهولة وسرعة الانتشار وقد انعكست الأفكار السلبية عن التراث الفلاحي انعكاسا خاطئا في نفس العديد من شباب القرى وصراع (فلاحون ومدني) الذي سبق وتحدثت عنه حمل العديد من الشباب على التخلي عن انتمائهم إلى أصولهم القروية أو البدوية وكانت الهجرة من الريف إلى المدينة ثم هجرة النكبة الكبرى عام 1948 إلى الدول المضيفة للاجئين سوريا ولبنان والأردن وفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية وارتباطها بمصر, كلها عوامل عززت مسايرة الأفكار السلبية الهدامة للتراث فكان للأسف الشديد أن يشعر الشاب بالخجل أن يشاهد مع والديه أو أحد أقاربه أو معارفه من أبناء القرية وأصبح هم المتعلم الفلاح أن يتزوج بفتاة من المدينة ترتدي الملابس الأوروبية وتتكلم باللهجة المدنية ومظهرها مغاير لمظهر الفتاة القروية وكان يتباهى بنسبه وزواجه ويساير متطلبات زوجته المادية والمعنوية على حساب حقوق الأهل والقيام بواجباتهم وكانت المشاكل والقطيعة والحقد على زوجة الابن وأهلها لأنها اختطفته واستحوذت عليه.

وبعد الهجرة فتحت الفرص الواسعة أمام اللاجئات والقرويات للتعليم فلبست الفتيات القرويات الملابس الأوروبية ونزلت ميادين العمل واستمرت في الابتعاد عن مظاهر حياتها الريفية والبدوية وانتشر التعلق بمظاهر الحياة المدنية وبالتالي الملابس الأوروبية ما يصاحبها من مكملات وكل هذا كان إرضاء للشباب ومن أجل أن نثبت كفاءتها وصلاحيتها للخروج المتمدن ومجاراة كل ما هو مرغوب ومحبب.

وهكذا استمر موقف الرجل يشكل الحافز الأكبر للابتعاد عن الحياة الشعبية حتى بدأ الاهتمام بشكل رسمي من الحكومات العربية ووسائل الإعلام ومنظمة التحرير الفلسطينية وطرحت الأفكار التنموية والبيئية وأصبح الاهتمام بالتراث الشعبي والثقافة الشعبية سمة مميزة للعقدين الأخريين.

كما أن المسؤولين في ميادين العمل المختلفة التي تعمل فيها المرأة لم يشجعوا رؤية المظهر الشعبي في المكاتب والمدارس والمستشفيات ومثلما سعت المرأة لإرضاء الرجل في البيت سعت لإرضائه في العمل بحجة أن الثوب غير عملي ومظهر غير حضاري. ولم تلق الراهبات الأجنبيات اللواتي يرتدين ملابس وأزياء دينية تشبه الملابس الشعبية في مواصفاتها أي اعتراض من أحد إلى درجة أننا أصبحنا نشاهد الفتيات يتوجهن إلى المدارس والجامعات وميادين العمل وكأنهن متوجات إلى ميدان لهو ورقص أو كأن الواحدة منهن ستزف أو تصمد على اللوح وكأن الهدف من دخول الجامعة هو الحصول على عريس لا على الثقافة والعلم.

ورافق كل ذلك تغيير اللهجة العامية الفلاحية أو البدوية فهي أصبحت ثقيلة على مسامع هؤلاء أما اللهجة العامية المدنية فهي خفيفة على السمع والقلب وكان ذلك موقفا سيئا من جميع الأطراف ومساهما في تغيير السلوك والقيم بطريقة الغراب الذي قلد الحمامة.

وها نحن اليوم نشهد تحولا آخر إذ أدت الصحوة الإسلامية والتوجه نحو اللباس الشرعي إلى نقلة جديدة في الابتعاد عن الملابس الشعبية التي أدت وظيفتها من ناحية سد المتطلبات الشرعية على مدى العصور.

لقد اشترطت الإسلام على الرجل أن يلبس ملابس الإحرام المكونة من إزاء ورداء وهي غير مخيطة ولكن المرأة حكم لها أن تبقي بملابسها العادية عند الحج والعمرة وقد رأيت حول الكعبة الشريفة كافة الأزياء الشعبية الأفريقية والعربية والآسيوية الشرقية, والمسلمون عامة يتعاملون مع قضية اللباس بيسر وسهولة <<فالقابض على دينه كالقابض على الجمر>>.

وكلمة أخيرة هي أن المرأة الفلسطينية التي تتمتع بشخصية قوية ثقافة حقيقية أصلية تواجه حرب تحنيط ملابسها في المتاحف وفي الخزائن وتعارض فكرة بيعا للسياح والأجانب وترفض أن تلبسها (لتستعرض) بها وحسب أو لتجتذب بها الأنظار والاهتمام بل عليها أن تعيد آلية عموميته وانتشاره وأن تفتح مشاريع أعداد الملابس الشعبية وتجد في تقليص التهافت على الملابس الأوروبية وأن نعود جميعا إلى ثقافتنا في كل أمر وبتكامل ومنها ننطلق نحو التغيير والنمو. إنه تحد لا يقل أهمية عن أي آخر من مجموعة التي نواجهها كشعب وأمة.

وإني أولى الفخورات بأني قبلت التحدي وكنت ابنة أبي وسرت على نهجه وخطاه وارتديت ثوبي الفلاحي الذي لم أتنازل عنه منذ طفولتي وعلمت طالباتي تطريزه وإعداده ودخلت به الحرم الجامعي وكل محضر وحفل وعلى متن الطائرة وفي الفندق والمسجد الحرام والمسجد النبوي وقبة الصخرة والمسجد الأقصى المبارك.


_______________________________________________________________________________________________________________________________________________________________


نسعد بزيارتك لنا على الفيس بوك للاستمرار اضغط هنا



✔ To join our Facebook page, please press like




 



تابعنا على تويتر - twitter

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الأبعاد النفسية والجمالية والاجتماعية والاقتصادية للثوب الفلسطيني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نداء الوطن :: مقـــــــالات فلسطينيـــة-
انتقل الى: